
عندما أشاهد فيلم Taxi Driver، أشعرُ اتجاه نفسي بالخيانة.
لا تفهموني خطأ، فهذه الكلمات لم تُكتب هنا لتتحدث عن فيلم Taxi Driver والذي أعتبره أفضل ما شاهدت من فن السينما، لأني أخشى إن بدأت أن لا أنتهي، أو رُبَّما لن أبدأ على الإطلاق خَشيةً أن لا أعرف كيف أبدأ بالحديث عنه؛ بل أنا هنا لأثرثر وأستفرغ بعض الأفكار التي تنتابني مُؤخرًا. فكما يبدو أن أشباح سكورسيزي مازالت تُطاردني، وروح ترافيس بيكل مازالت تَتلبّسني، وهو ما لا تستحبه النفس المحاطة باللاتغيير ، والمسجونة بقفص القهرِ والتعبيد. تُعتبر تجربة رائعة جدًا أن تُشاهد فيلمًا يُعجبك، ولكن من المرعب أن يحدث العكس ويشاهدك فيلمًا ويُعجبه مافي داخلك وبكل سُخرية يعرضه بصورة ممثلين وكاتب و مخرج، فتشعر أنت بالخيانة تجاه نفسك لإفضاحها عن ما تحمله بداخلك و تصويرها بلغة غير لغتك وبعالم غير عالمك، وبكل وقاحة تُنسب بالنهاية إلى مخرجٍ آخر و لا تملك من ردة فعلٍ سوى إحترام ذلك المُخرج لأنه بذلك الفعل، قد إحترمتَ نفسك.
دُفن في نفسي هذا الشعور الغبي الذي ما لبث إلا أن تحوَّل إلى إعجابٌ مخيف، شعرتُ أن ترافيس قد سكن بيني وبين نفسي، و سكورسيزي قد حصل على عقلي، والنص بأكمله أصبح كتابي، حتى أصبحتُ أحلُم أحيانًا أن أسوق تاكسي. سأبدو مجنونًا وأنا أُسِّطر لهذا الفيلم ما عناه لي لأن بالجنون الحب وأعقل أنواع الحب هو الجنون. رُغم أن آخر مشاهدة لي للفيلم لم تكن في السنتين الماضيتين ولكني لا أحتاج لذلك، فكيف أذكِّر نفسي به إذ لست أنساه؟ فأنا أشاهده كلما رأيت ملامح المدينة العصرية، أشاهده كلما رأيت الأموات الأحياء وما أكثرهم، أشاهده كلما تذكرت أن الإنسان مهما فعل فهو سجين المادة و عبدها، أتذكره وقد تعبت ذكراه ومالي سوى التذكُّر والتأمُّل.
لستُ هنا أتكلَّم عن حبيبٌ أو صديقٌ أو حتى قريب، بل هو أكثر من ذلك، هي الفكرة؛ الفكرة التي أجدها تسبح في خيالي بتغييرٍ وإقناع، هي الفكرة و ما أخطر الأفكار و ما أجملها، فهي والدة القولِ وأستاذة الفعلِ وزارعة التغيير و الحلم؛ هي فكرة رجل وحيد في أزحم مدن الأرض، إنسان لا يسمع إلا الصمت في أشد المُدن ضجيجًا، إنسان إستطاع كسر سجن المادة و رأى كيف صنع البشر قبورهم بأيديهم و فضلوا أن يبقوا بها. هي فلسفة، و لا أحب كثيرًا إنتقاد فلسفة معينة والتعمق بها، ولكني أُؤمن أن لي الخيار أن أتقبلها أو أرفضها، ولا أحد يملك الحق في إرغامي على إختيار احداها أو تركها؛ أما هُنا فأنا لا أملك موقفًا معينًا تجاه فلسفة ترافيس، إذ أني لم أملك القدرة على القبول أو الرفض، لأنها و كما ذكرت في بداية ثرثرتي، كانت موجودة بالفعل وقرأني الفيلم و عرضها.
مضت خمس وثلاثون عامًا على عرض الفيلم ومازِلتُ أسمع صداه من حينٍ لآخر وكأنه فيلمٌ وليدُ هذه الألفية، فأرى عدم ترشيح كريستوفر نولان عن فيلم إنسيبشن لأكاديمية العلوم و الفنون السينمائية الأوسكار لفئة أفضل مُخرج قد ذكَّرت العالم أجمع بفاجعة عدم ترشيح مارتن سكورسيزي لنفس الفئة عن الفيلم العزيز سائق التاكسي، وأرى صناع السينما مازالوا يستلهموا منه إذ أن بنهاية العام سيُعرض فيلمًا بإسم Drive من بطولة ريان قوسلنق يتحدث عن سائق يشعر بالوحدة طوال الوقت و متورط بعالم الجرائم المخفي، أرى الفيلم يصدر مجددًا ببتقنية البلو-ري العالية الوضوح والجميع يتحدَّث عنه، أراكَ عزيزي القارئ مازلتَ تقرأ عنه من قِبَل شخص مجنونٌ بحبه.
نسيت حتى لِمَ قد كتبت الموضوع بالأساس وهربت النقطة التي رغبت أن أوصلها، ونسيت أني قد وعدت في بداية الموضوع بألا أتحدث عن الفيلم، صنفت المقال كـ ثرثرة في بداية الأمر وإنتهيت بتصنيفه كـ عن ثقب، ولكن أيلامُ العاشق؟





